التخطي إلى المحتوى



نشر فى :
الثلاثاء 11 أكتوبر 2022 – 8:00 ص
| آخر تحديث :
الثلاثاء 11 أكتوبر 2022 – 9:49 م

الإجابة هى نعم بالتأكيد.
بردية إبريس، أشهر بردية طبية من مصر القديمة، عمرها حوالى 3350 سنة. تحوى البردية 110 صفحات تصف علاجا لأمراض كثيرة، ووصفات لمنع الحمل، ومعادلات للتنبؤ بميعاد الولادة، وطرق فتح الخراريج وتجبير الكسور المختلفة، وأشياء أخرى كثيرة فى الوقاية والعلاج من الأمراض. والمثير أن البردية تصف مرض السرطان وصفا دقيقا، وتحت عنوان العلاج يوجد جملة واحدة: «لا تفعل شيئا، لا يوجد علاج».
•••
بعد أكثر من 35 قرنا من ظهور هذه البردية أصبح العالم على مشارف الانتصار على السرطان.
وتعريف الانتصار على مرض السرطان ليس المقصود به أن يختفى السرطان بلا عودة بتناول بعض العقاقير ــ قد يحدث هذا فى مرحلة لاحقة ــ لكن تحول السرطان إلى مرض مزمن كالسكرى وارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين، أى مرض يمكن السيطرة عليه ومنعه من قتل المريض أو إعطاب وظائف أحد أعضائه قد أصبح مسألة وقت، عقد من الزمان أو عقدين على أكثر تقدير. وهذا ليس ضربا بالغيب ولا تكهنًا. هناك ثلاثة اختراقات علمية غير مسبوقة فى حجم إنجازاتها ضد السرطان وحبلى بالمزيد من الانتصارات التى ستجعل السرطان فى يوم ليس ببعيد مرضا غير مميت.
الاختراق الأول هو فى النجاح (بعد محاولات بدأت منذ نهايات القرن التاسع عشر) فى تحفيز جهاز المناعة وإطلاق طاقاته فى التعرف على الخلايا السرطانية أيا كان مكانها ومن ثم قتلها (فاز جيمس أليسون بجائزة نوبل عام 2018 عن هذا الاكتشاف). النجاح الأول بدأ فى عام 2010 مع نوع فتاك من سرطان الجلد الذى لا يستجيب عادة للعلاج الإشعاعى أو الكيماوى. يتناول المريض عقارا أو عقارين يقومون بفك لجام الخلايا الليمفاوية، الأكثر تعقيدا والأعلى قدرة بين خلايا الجهاز المناعى، بقتل الخلايا السرطانية فى أماكن نشأتها وأيضا فى مكامن انتشارها كالمخ مثلا. ومن سرطان الجلد توالت التجارب السريرية التى أثبتت فعالية الجهاز المناعى فى مقاومة سرطانات عديدة. وهو الآن يجب العلاج الكيماوى كخط العلاج الأول ضد سرطانات الرئة والكلية والرأس والرقبة والمثانة البولية والكبد وبعض سرطانات الجهاز الهضمى وغيرها الكثير.
وبالرغم من أن هذا العلاج ذا الأعراض الجانبية التى لا تقارن بالعلاج الجراحى أو الإشعاعى أو الكيماوى ــ نجح فى تجربة حديثة نشرت فى شهر يوليو من هذا العام فى شفاء 12 مريضا بسرطان المستقيم. العلاج المعتمد لسرطان المستقيم فى عام 2022 يتطلب جرعات ضخمة من الأشعة متزامنة مع علاج كيماوى يعقبها بأسابيع جراحة استئصال جذرى للمستقيم والأنسجة المحيطة به. ومع كل هذا فنسبة الشفاء لا تتجاوز 50%.
العلاج المناعى (عقار واحد يعطى كل ثلاثة أسابيع) أدى لشفاء جميع المرضى دون استثناء، ولم يتمكن القائمون على هذه الدراسة من العثور على خلية سرطانية واحدة حتى بعد انتهاء عام كامل على إتمام العلاج. وبالرغم من أن هذه الدراسة المفصلية لا يمكن تعميم نتائجها إلا أنها تثبت «صحة المفهوم»، مفهوم أن العلاج المناعى وحده تحت ظروف معينة وفى مرضى منتقين بعناية وفقا للخصائص المناعية لسرطاناتهم يمكن شفاؤهم تماما بتعبئة جهازهم المناعى وإرساله للمعركة.
الاختراق الثانى: هو ما يسمى بالعلاج الموجه، وقد بدأ مع نوع من سرطان الدم (اللوكيميا النخاعية المزمنة). هذا المرض كان الشفاء الوحيد منه هو بإجراء عملية زرع نخاع عظام تتراوح نسبة نجاحها لنحو 60% فقط للمرضى صغار السن نسبيا ممن يمكن إيجاد متبرع ملائم لهم. لكن استخدام عقار يستطيع شل مسار كيميائى داخل الخلية السرطانية يؤدى لقتلها ودخول اللوكيميا فى مرحلة خمول لسنوات عديدة قد تصل لعمر الإنسان غير المصاب بهذا المرض. العلاج الموجه الآن يقضى على عدد كبير من السرطانات الليمفاوية ويغير المشهد العلاجى فى سرطان الرئة وبعض سرطانات الجهاز الهضمى وسرطان الثدى.
الاختراق الثالث: هو فى القدرة المتنامية على فك الشفرة البيولوجية (الجينية) للخلايا السرطانية فى زمن قياسى (يومين أو ثلاثة) وتحديد الطفرات الجينية المسئولة عن تغيير شكل وسلوك ومصير الخلية العادية إلى خلية سرطانية. بل يمكن الآن إجراء البصمة الجينية لمعظم السرطانات عن طريق أخذ عينة دم دون تعريض المريض لخطر أخذ عينة من الورم نفسه. ذلك أن جزيئات الحمض النووى للشفرة الجينية للخلايا السرطانية تسبح فى الدم بشكل مستمر مما يمكن من رفع البصمة الجينية للسرطان ورصد أى تغيير يحدث فيها بشكل متكرر طوال مرحلة العلاج. ويتزامن هذا الاختراق مع اكتشاف تكنولوجيا الكريسبر التى تمكن إجراء جراحة لاستئصال وتبديل وإحلال تسلسل جزىء الحمض النووى داخل الخلية ومن ثم تعديل الشفرة المعطوبة بالطفرات. هذه التكنولوجيا مسخرة اليوم لعلاج أمراض وراثية مميتة كمرض أنيميا الخلايا المنجلية وأنيميا البحر المتوسط. ومن غير المسبتعد أن تسخر هذه التكنولوجيا لتعديل الطفرات الجينية للخلايا السرطانية إما لدفعها للانتحار أو لإعادتها لطبيعتها الأولى كخلية عادية.
•••
فى نهاية الأمر كل هذه الاختراقات لا تتقدم فى طرق متوازية. بل إنها تتداخل وتتقاطع. فعلى سبيل المثال فتكنولوجيا هندسة الجينات تستخدم لتعديل خلايا المريض الليمفاوية القادرة طبيعيا على قتل الخلايا السرطانية لتصبح أكثر قدرة على تحديد مكامن الخلايا السرطانية والوصول إليها فى أى مكان فى الجسم. وهذا العلاج المناعى الموجه يستخدم الآن بنجاح فى شفاء مرضى السرطانات الليمفاوية وسرطان النخاع المتعدد شفاءا تاما.
وأخيرا، فإن الدخول الحتمى لتكنولوجيا الذكاء الصناعى وقواعد البيانات الكبيرة ستؤدى حتما لتسارع وتيرة هذه الاكتشافات وتطويرها وإنتاجها بكميات تجعلها متاحة لمرضى كثيرين فى العالم. الانتصار على مرض السرطان بمعنى تحويله لمرض مزمن وانتفاء صفة «المميت» عنه حتى فى مراحله المتقدمة سيصبح حقيقة فى وقت ما خلال الحقبة القادمة.

Scan the code