التخطي إلى المحتوى

تتجه الأنظار إلى جبهة لبنان الجنوبية مع تصاعد وتيرة الاشتباكات والمواجهات العسكرية بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي. ويتساءل الجميع حول ما ستفرضه التطورات المتسارعة في الميدان، فيما تتراوح التقديرات بين من يرجح استمرار التوتر ضمن إطار مساحة العمليات على طول الشريط الحدودي وحسب، وبين من يتوقع أن تتسع لينخرط لبنان مباشرة في الحرب، على وقع اشتداد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.  

وشهد الأحد استمرارًا في وتيرة التصعيد مع إطلاق حزب الله لصاروخين اثنين مضادين نحو مستعمرة يفتاح، واستهداف مستوطنة كيوبسب وموقع البياضة مقابل بلدة بليدا. كما واصلت إسرائيل ردها باستهداف القرى الحدودية بضربات صاروخية وتحليق طيرانها الحربي. كما أعلنت إخلاء 14 مستوطنة حدودية مع لبنان.  

وبينما أشارت بيانات حزب الله المتتالية إلى تحقيق إصابات مركزة في هجماته الصاروخية، إضافة إلى مواصلة ضربه للكاميرات وأجهزة الاستشعار، ارتفعت حصيلة شهداء الحزب، منذ بدء العمليات، إلى 26 شهيداً، بينما اعترف العدو حتى الآن بمقتل نحو 12 جنديًا، فيما التقديرات تتحدث عن أن العدد الفعلي أكثر من ذلك بكثير.  

السيناريوهات
كيف يمكن قراءة التطورات الميدانية للعمليات العسكرية جنوبًا؟ وما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا للمرحلة المقبلة؟  

عمليًا، ورغم تصاعد وتيرتها، تدور المواجهات بين حزب الله وجيش الاحتلال ضمن مساحة العمليات عينها، وتوسعت إلى القرى والبلدات الحدودية على طول الخط الأزرق. وبينما تذهب التحليلات إلى أن حزب الله كرس دوره بالتحكم في اللعبة وبإشغال جيش الاحتلال عن انغماسه بالعدوان الوحشي على غزة تحت شعار “الاستمرار حتى القضاء على حركة حماس”، يرى كثيرون أن الحزب فرض مواجهة ندية مع القوات الإسرائيلي، وعنوانها “المضي بالضربات العسكرية المركزة والموجهة”، وكان فيها لفصائل المقاومة الفلسطينية (الجهاد وحماس) بصمتها أيضًا. وهو ما أدى إلى اتساع رقعة قواعد الاشتباك الحدودية بعد “طوفان الأقصى” عن تلك المعمول بها حسب القرار الأممي 1701 منذ ما بعد حرب تموز 2006.  

التصعيد الكمي
وفي حديث مع “المدن”، يتحدث كل من العميد المتقاعد ورئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، هشام جابر، والعميد المتقاعد والخبير العسكري خالد حمادة، عن التطورات الميدانية للجبهة الجنوبية، والسيناريوهات المحتملة في ظل التصعيد الحاصل.  

عسكريًا، يرى خالد حمادة أن التوترات المتصاعدة عند الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، هو تصاعد كمي وليس نوعي بالاشتباكات، كونها تدور في المناطق المحاذية للشريط الحدودي، وبعمق لا يتجاوز 2 كلم، “حيث ما زالت العمليات من الجانب الإسرائيلي تدور في المستوطنات الموزعة مباشرة على الحدود، والتي تحولت إلى مراكز عسكرية، ويقابلها بالجانب اللبناني قرى على الشريط الحدودي، يقوم حزب الله بإطلاق الصواريخ المضادة منها”.  

وفي حين لا يهاجم الحزب حتى الآن العمق الإسرائيلي، كذلك تلتزم إسرائيل حتى الآن، بعدم ضرب العمق اللبناني جنوبًا، حسب حمادة، “ما يعني أننا أمام وتيرة منضبطة للتصعيد”.  

أما المؤشر المقلق من وجهة نظره، فكان بإخلاء إسرائيل لـ14 مستوطنة مقابل الحدود اللبنانية والسورية، “حيث لا يتم إفراغها حفاظًا على حياة المستوطنين وحسب، بل لتحويلها إلى منطقة عمليات عسكرية”. لذا، يخشى أن يكون هدف إسرائيل هو استدراج حزب الله لضرب هذه المنطقة من المستوطنات، وتصل إلى عمق 4 كلم، حتى يكون ذلك عذرًا لها لتوسيع رقعة ردها.  

وفي ظل القصف المتواصل على قطاع غزة والتمهيد للعملية البرية بمعزل عن نتائجها المقلقة لإسرائيل، يرى حمادة أن هدف تخفيف الضغط عن قطاع غزة لم يتحقق بصورة كاملة حتى الآن. وما يقوم به حزب الله من وجهة نظره “رسالة من طهران إلى واشنطن بأنها هي من تتحكم بإيقاع الجبهة الشمالية لإسرائيل”.  

ويرى أن تهديد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بتدمير لبنان وحزب الله إذا شن الأخير حربًا عليها، هو بمعرض الدعاية الإعلامية والاستعراضية وحسب لرفع معنويات المستوطنين والجيش، “لأن مصير أي جبهة جديدة لها، محكومة بقرار أميركي فحسب”.  

تفوق حزب الله  
من جانبه، يجد الخبير هشام جابر أنه من الصعب راهنًا التنبؤ بمصير الجبهة الجنوبية، وإن كانت المعطيات الراهنة تشير إلى أن انفجار الجبهة على حرب ما زال احتمالًا مؤجلًا وقد لا يحصل.  

ويقول جابر إن قواعد الاشتباك بين حزب الله وجيش الاحتلال أضحت متحركة وغير ثابتة، مذكرًا أن الحزب سبق أن حركها بضرب الجليل الأعلى سنة 2018. لذا، “المناوشات العسكرية حاليًا هي ضمن قواعد الاشتباك الجديدة المعمول بها بعد عملية طوفان الأقصى”.  

ويجد أن الحزب يمارس حربًا نفسية على جيش الاحتلال، حيث يتفادى طمأنته ويواصل إشغاله وتشتيته وإثارة الرعب والقلق لديه. وعليه، يتفوق الحزب ميدانًا على جيش الاحتلال حتى الآن برأيه، حيث لم يحقق الأخير أي إنجاز على جبهته الشمالية، بينما حزب الله حقق عددًا من الإنجازات يذكر أبرزها:  

– إثارة الاضطراب في صفوف جيش الاحتلال.  

– أجبر إسرائيل على حشد نحو ثلاث فرق إلى الحدود مع لبنان ونحو 40 ألف جندي وإخلاء 14 مستوطنة.  

– فقئ عيون جيش الاحتلال بتدمير الكاميرات وأجهزة الاستشعار. 

– تكريس سياسة “وحدة الساحات” لمحور المقاومة وعدم التخلي عن قطاع غزة وفصائل المقاومة الفلسطينية، أي عدم السماح لإسرائيل بتحقيق هدف القضاء عليها. 

ويتوقع انفجار الجبهة الجنوبية واشتعال الحرب في حالتين: إما ضرب إسرائيل للعمق اللبناني، ما يستدعي ردًا موازيًا من حزب الله قد يشعل الحرب. وإما تدحرج الوضع في قطاع غزة، خصوصا بعد العملية البرية، وحصول حدث كبير قد يستدعي تحريك أكثر من جبهة لبنان، بدءًا منه، وكذلك من العراق واليمن. 

ويقول جابر: “الحزب لن يدخل الحرب من دون التنسيق الكامل مع إيران التي ستفتح أكثر من جبهة إذا ذهبت الأمور لحرب إقليمية”.  

ويربط جابر تأخر العملية البرية في قطاع غزة بخوف إسرائيل مما ينتظرها في أنفاق حركة حماس، ما يدفعها لمواصلة آلة التدمير في قتل المدنيين. ويصف تهديدات نتنياهو للبنان بالهشة والهزيلة، لأن “همه رفع معنويات جيشه المنهارة”. مذكرًا أن قوة الجيش “ليست بقدراته النارية والعسكرية وحسب، بل بمستوى الانضباط والمعنويات، فيما هناك عشرات الضباط الإسرائيليين يرفضون الانخراط في الحرب”.  

Scan the code