التخطي إلى المحتوى

خلق الاجتماع الذي عقدته وزارة الاقتصاد والمالية في المغرب، مع النقابات العمالية، الأسبوع الماضي، حالة من البلبلة في الأوساط المغربية حول خطة إصلاح نظام التقاعد محل الجدل منذ تشكيل اللجنة الوطنية حول هذا الموضوع قبل عدة أعوام، وما إذا كانت الحكومة ستعمد إلى رفع سن التقاعد إلى 65 سنة.

اللغط بدأ عندما سربت مقترحات جاءت بها دراسة أنجزت بطلب من الحكومة المغربية تحث على رفع سن التقاعد إلى 65 سنة في القطاعين العام والخاص، من 63 سنة للقطاع العام و60 سنة للخاص، إضافة إلى زيادة نسبة الاشتراكات في صناديق التقاعد لمواجهة أزمة نفاد احتياطياتها.

عقب اجتماع للجنة المكلفة بإصلاح نظام التقاعد بالرباط الأسبوع الماضي، شهد حضور الحكومة والنقابات الأكثر تمثيلاً فضلاً عن الاتحاد العام لمقاولات المغرب ومدراء صناديق التقاعد، أعلنت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح علوي، الشروع في تشخيص وضعية نظام التقاعد بالمغرب، بغية الوصول إلى وضع مبادئ للإصلاح وأجندته.

ودرست حكومات المغرب المتعاقبة، بالتشاور مع النقابات وممثّلي أصحاب العمل، الخيارات المتاحة لمعالجة الاختلالات المالية التي تشهدها منظومة التقاعد في المملكة، والتي قد تهدّد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها خلال السنوات المقبلة، في حال غياب أي تدابير ناجعة وفعالة.

ناقوس خطر

في تقريره الصادر في مارس، دق المجلس الأعلى للحسابات في المغرب ناقوس الخطر، وشدد في هذا الإطار على أنه بالرغم من التعديلات المهمة لمقاييس نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد والتي جاء بها إصلاح 2016، من المتوقع أن يستنزف هذا النظام كامل احتياطاته في أفق 2026.

أفاد التقرير بأن التوقعات تشير إلى أن هذا النظام سيواجه خطر السيولة اعتباراً من سنة 2023، وستستهلك احتياطاته المالية في أفق سنة 2026، كما أن حجم الالتزامات الصافية غير المغطاة والتي بلغت 415 مليار درهم بنهاية 2019، يلقي بثقله على الوضع المالي للنظام ويجعل الإصلاح الهيكلي أمراً ضرورياً.

هذا، فيما يعرف النظام العام لمنح رواتب التقاعد، عجزاً تقنياً منذ عدة سنوات، ومن المتوقع أن يواجه أول عجز إجمالي له في أفق 2028. كما أن نظام تقاعد الأجراء الذي يدبره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، سيواجه أول عجز تقني له في أفق 2029 على الرغم من وجود رافعة ديموغرافية مواتية.

لاحظ المجلس أن تغطية التقاعد الإجمالية للسكان النشطين لا تزال محدودة، مشيراً إلى أنه مع 4.4 مليون مستفيد بنهاية سنة 2019، لا يتجاوز معدل التغطية 43%، على الرغم من التقدم الكبير الذي لوحظ في السنوات الأخيرة على مستوى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وتتكون الفئة غير المشمولة بتغطية التقاعد أساساً والبالغ حجمها 6.3 مليون عامل نشط، وفق التقرير، من العمال غير الأجراء بنسبة تناهز 50% من الإجمالي، بالإضافة إلى نسبة مهمة من العمال الأجراء غير المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

أوجه الخلل

حول العالم، تشكل المعاشات التقاعدية لكبار السن تحديًا كبيرًا وسط زيادة متوسط ​​العمر المتوقع نتيجة لتحسن الظروف المعيشية والصحية. ويؤدي تقلص قاعدة المساهمين الديموغرافيين الأصغر سناً إلى تفاقم المشكلة في العديد من البلدان.

لكن هذا الوضع لا ينطبق على المغرب، فأعمار ما يقرب من ثلثي سكان البلاد بين 15 و 64 عاماً (وهي الفئة التي تشكل القوى العاملة)، وفق آخر إحصائيات لصندوق الأمم المتحدة للسكان، ما يوفر قاعدة سكانية مثالية يمكن أن تساهم في صناديق التقاعد.

بيانات من صندوق الأمم المتحدة للسكان

غير أن تحليلاً لمعهد كارنيغي نُشر في العام 2013، حدد ثلاثة عوامل رئيسية تكمن وراء أزمة صندوق التقاعد في المغرب، وهي انخفاض مشاركة القوى العاملة بين النساء، ومعدلات البطالة المرتفعة، إلى جانب القضايا الهيكلية المتعلقة بالمعاشات التقاعدية الحالية.

ويملك المغرب ثلاثة أنظمة رئيسة للتقاعد، واحد موجّه إلى الموظفين الحكوميين، وآخر لموظفي المؤسسات العامة، وثالث مخصص لأجراء القطاع الخاص. وتختلف هذه الأنظمة لجهة الحصص المقتطعة من الأجور وطريقة احتساب الراتب التقاعدي مما يخلق شكلاً من عدم مساواة بين المشتركين.

واستناداً إلى حجم هذه الاختلالات، أكد المجلس الأعلى للحسابات على “الصبغة الاستعجالية” التي يكتسيها إصلاح هذه الأنظمة، حيث أوصى بالاستمرار في مراجعة ومواءمة معايير أنظمة التقاعد الأساسية، ووضع حلول تمويل مناسبة ومبتكرة، وإصلاح حكامة وقيادة الأنظمة.

ويبدو أن رفع سن التعاقد سيكون من بين خيارات الحكومة المغربية الأكثر صعوبة، فمع استمرار استنزاف احتياطيات الصندوق، قد تنحو الحكومة هذا المنحى رغم ما قد يثيره من اعتراضات.

Scan the code