التخطي إلى المحتوى


كتب د. عماد شيّا في “نداء الوطن”: 

غريبة عجيبة هي العلاقة بين المعارضين للعهد والسلطة الراهنة في لبنان، وبين قوى التغيير أو ما يسمى قوى إنتفاضة 17 تشرين، صاحبة شعار «كلن»، التي استطاعت إختراق البرلمان بكتلة نيابية وازنة خلال الانتخابات الأخيرة.

في الظاهر، من خلال العديد من العناوين والشعارات التي يرفعها كل من المعارضين والتغييريين عن السيادة والإستقلال وخطر مشروع الدويلة على الدولة، وعن الصفات الشخصية المطلوبة لرئيس الجمهورية الجديد ومواصفاته الوطنية، لا تبدو الأمور معقدة ومختلفة كثيراً، و لا المسافة بينهم بعيدة. وهذا ما يعطي انطباعاً إيجابياً يبعث على التفاؤل بإمكانية التلاقي وتضافر الجهود لإحداث صدمة إيجابية تولّد الأمل بإمكانية التغيير نحو الأفضل.

لكن على أرض الواقع، تبدو الصورة ضبابية والعلاقة ملتبسة اذا لم نقل متنافرة، تشوبها الثقة المهتزة والشكوك المتبادلة بين التغييريين والمعارضين، وتظهر هذه الصورة جلية على مسرح مجلس النواب، من خلال مواقف نواب التغيير وسلوكهم المختلف عن نواب قوى المعارضة في معظم الاستحقاقات اذا لم يكن في كلها، وآخرها الموقف في الجلسة النيابية الأولى المخصصة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتصويت النواب التغييريين لسليم إدة والمعارضين لميشال معوّض.

يمكن تفهّم واستيعاب حق التغييريين بتمييز أنفسهم عن باقي مكونات المجلس النيابي، ولا سيما تلك التي شاركت بالسلطة على مدى ثلاثين سنة، و أيضا بتحميل كل مكوّن مسؤولياته في ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد على مختلف الصعد. لكن ما لا يمكن فهمه ولا استيعابه عدم إدراك هذه القوى نفسها، كما يبدو حتى الآن، أنه لا يمكنها بمفردها بأي شكل من الأشكال، وخاصة في ظل الستاتيكو الراهن والموازين القائمة، إحداث اي تحول أو تحقيق أي إنجاز نوعي، من دون التفاهم أو التحالف ولو مرحلياً مع مكونات أخرى تلتقي معها بمسائل أساسية ولو اختلفت معها بأخرى.

فأمام قوى التغيير الآن خياران لا ثالث لهما. خيار أول هو التفاهم ولو مرحلياً مع قوى المعارضة والإعتدال لاختيار رئيس جمهورية بمواصفات وطنية تغييرية، وبذلك يساهمون في تأمين فرصة حقيقية لتحقيق بعض ما يدعون اليه. وخيار ثانٍ، تكرار تفردهم بالتصويت لمرشح معين للرئاسة بمعزل عن التفاهم مع قوى المعارضة والإعتدال، والنتيجة ستكون معلومة ومعروفة سلفاً، تغطية عملية تمرير رئيس جديد تابع للقوى المهيمنة، الممسكة بزمام أمور الدولة على غرار الرئيس الحالي.

بالسياسة كما بالفلسفة والفكر هناك ما يسمى بديالكتيك وحدة وصراع الأضداد… وفي تاريخ الشعوب السياسي تجارب عديدة اعتمدت مثل هذا المفهوم، لتتجاوز فترات ومراحل شبيهة أوضاعها وظروفها بأوضاعنا وظروفنا الراهنة، لا سيما في ما يتعلق بموازين القوى وكيفية استثمارها لمصلحة قوى المعارضة والتغيير. فعلى سبيل المثال لا الحصر: في روسيا، اضطر حزب لينين العمالي الاشتراكي الديمقراطي الروسي ( في ما بعد اصبح الحزب البلشيفي وبعده الشيوعي) إلى التفاهم والتحالف خلال ثورة 1905 البرجوازية، مع أضداده البورجوازيين الفاسدين بوجه الحكم القيصري، وبعد إسقاط الحكم القيصري متحالفاً مع الضد البرجوازي خلال ثورة أكتوبر عام 1917، انتقل حزب لينين الى مرحلة الصراع مع البورجوازية الروسية لبناء المجتمع الاشتراكي. وفي لبنان لو لم يتحد الأضداد التقليديون يمينيين ويساريين مسيحيين واسلاميين، بوجه الوصاية السورية في 14 آذار 2005 لكانت هذه الوصاية على الأعم الأغلب ما زالت مستمرة.

فعلى التغييريين اذا كانوا فعلاً صادقين وجادين بشعاراتهم التغييرية ان يتوقفوا عن ممارسة ترف التنظير والمزايدة، وينكبوا على معالجة ظاهرة الانتفاخ والتورم التغييري التي يخشى ان تتحول إلى حالة مرضية، شبيهة بحالة التورم والإنتفاخ الأيديولوجي الفكري او العنصري القومي والطائفي التي اصابت وتصيب الاحزاب التقليدية، وسببت المرارة والخيبة لكثيرين ممن آمنوا بها وضحوا في سبيل تحقيق شعاراتها.

وعلى قوى ما يسمى المعارضة والإعتدال لا سيما من ابتلى منها بالمعاصي، ان تستتر وتتواضع وتقوم بمراجعة جريئة لتجاربها فتعترف بأخطائها وتكف عن ممارسة ترف التمريك وتسجيل المواقف فيما الشعب يئن والبلاد تحتضر.

الصورة باتت واضحة ولم يعد هناك مجال للمناورة والشطارة والضحك على الذقون. البلاد في هذه الفترة باتت واقعة تحت سيطرة قوى الأمر الواقع، حزب الله واتباعه، ولا مجال لأن ينعتق لبنان من هذه السيطرة إلا بوحدة الأضداد على الضفة المقابلة، الأضداد المتمثلة بقوى المعارضة والتغيير والإعتدال، وتصميم هذه القوى مجتمعة على الصراع والمواجهة الديموقراطية السلمية، لإنقاذ البلاد والعباد من قبضة الضد المشترك، المهيمن بكامل ادوات وعتاد دويلته على معظم مفاصل الدولة.

Scan the code